الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
261
شرح ديوان ابن الفارض
[ المعنى ] هذا شروع في بيان أوصافها التي ذكر أن عنده علما بها . فقال « صفاء » أي من أوصافها الصفاء ، وليس بها الماء ومن أوصافها اللطف وليس بها الهواء . وكان المتبادر أن يكون الهواء هنا ممدودا لأن اللطف راجع إليه ، وأما المقصور فهو بمعنى المحبة ، ومن أوصافها النور وليس بها النار ، ومن أوصافها الروح وليس بها جسم . وهذا البيت صريح في أنها ذات صفاء لكن ليس صفاء كصفاء الماء بل هو صفاء معنوي ليس مما يؤخذ من الماء . وأنها ذات لطف ليس لطفا من الهواء مأخوذا كلطف المحسوسات المأخوذة من العناصر فإن الهواء من شأنه اللطف . وأنها ذات نور لا يؤخذ من النار . وأنها روح لا جسم لها كبقية الأرواح التي توجد في الأشباح . فقد دل البيت على أنها خمرة معنوية وأوصافها ربانية . ولعمري أن هذا البيت من محاسن النظام ، ومعناه يحير الأفهام والأوهام والسلام . ( ن ) : قوله ولا ماء ، أي وليس بها كثافة الماء . وقوله ولا هواء ، أي هواء بالمد وقصر لضرورة الوزن ، أي ليس لها كثافة الهواء أيضا ولا كدورته . وقوله ولا نار نفى عن ذلك النور كثافة النار وكدورتها . وقوله وروح ولا جسم ، أي هي روح مجرد عن علاقة الجسمية . والحاصل أن أوصاف هذه المدامة باعتبار تجلي حقيقتها الغيبية عليه ظاهرة له بأربعة أوصاف : الصفاء واللطف والضياء والروح . فهي روح مجرد عن الماء والهواء والنار والتراب بعيدة عن كثافة العناصر الأربعة ، وإن ظهرت متلبسة بها حاملة للجسم العنصري المركب منها ، وهي أمر اللّه تعالى الظاهر بصورة الروح . قال تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] وأمر اللّه قيوميته على جميع العوالم . اه . تقدّم كلّ الكائنات حديثها قديما ولا شكل هناك ولا رسم [ الاعراب والمعنى ] « تقدّم » أي سبق سبقا ذاتيا لا زمانيا إذ الزمان من جملة الكائنات . وقوله « كل الكائنات » مفعول تقدم . والكائنات جمع كائنة وهي المخلوقات . وقوله « حديثها » أي حديث هذه المدامة المذكورة ، فاعل تقدم . والحديث ما يتحدث به وينفل . والمعنى هنا بالحديث الكلام النفسي الإلهي الذي ليس من جنس الحروف والأصوات المخلوقة ، ولا شك أنه صفة من صفات اللّه تعالى ليس غير ذاته . وقوله « قديما » حال من حديثها فإن رتبة العلم متقدّمة على رتبة المعلومات تقدّما ذاتيا لا زمانيا أيضا وإن كان الكل قديما . وقوله « ولا شكل هناك » أي في تلك الحضرة الإلهية حضرة العلم الإلهي والكلام الإلهي ، وإنما الشكل في عالم الكون . وكذلك قوله « ولا رسم » . قال في المصباح الشكل بالفتح المثال يقال هذا شكل هذا ، والجمع